فخر الدين الرازي

280

تفسير الرازي

يكذبهم يعني أداه إليهم كما نزل عليه من غير تحريف ، وقيل صار صادقاً به أي بسببه ، لأن القرآن معجزة ، والمعجزة تصديق من الحكيم الذي لا يفعل القبيح فيصير المدعي للرسالة صادقاً بسبب تلك المعجزة وقرئ وصدق . واعلم أنه تعالى أثبت للذي جاء بالصدق وصدق به أحكاماً كثيرة . فالحكم الأول : قوله : * ( أولئك هم المتقون ) * وتقريره أن التوحيد والشرك ضدان ، وكلما كان أحد الضدين أشرف وأكمل كان الضد الثاني أخس وأرذل ، ولما كان التوحيد أشرف الأسماء كان الشرك أخس الأشياء ، والآتي بأحد الضدين يكون تاركاً للضد الثاني ، فالآتي بالتوحيد الذي هو أفضل الأشياء يكون تاركاً للشرك الذي هو أخس الأشياء وأرذلها ، فلهذا المعنى وصف المصدقين بكونهم متقين . الحكم الثاني : للمصدقين قوله تعالى : * ( لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين ) * ، وهذا الوعد يدخل فيه كل ما يرغب المكلف فيه ، فإن قيل لا شك أن الكمال محبوب لذاته مرغوب فيه لذاته ، وأهل الجنة لا شك أنهم عقلاء فإذا شاهدوا الدرجات العالية التي هي للأنبياء وأكابر الأولياء عرفوا أنها خيرات عالية ودرجات كاملة ، والعلم بالشيء من حيث إنه كمال ، وخير يوجب الميل إليه والرغبة فيه ، وإذا كان كذلك فهم يشاءون حصول تلك الدرجات لأنفسهم فوجب حصولها لهم بحكم هذه الآية ، وأيضاً فإن لم يحصل لهم ذلك المراد كانوا في الغصة ووحشة القلب ، وأجيب عنه بأن الله تعالى يزيل الحقد والحسد عن قلوب أهل الآخرة ، وذلك يقتضي أن أحوالهم في الآخرة بخلاف أحوالهم في الدنيا ، ومن الناس من تمسك بهذه الآية في أن المؤمنين يرون الله تعالى يوم القيامة ، قالوا إن الذين يعتقدون أنهم يرون الله تعالى لا شك أنهم داخلون تحت قوله تعالى : * ( وصدق به ) * لأنهم صدقوا الأنبياء عليهم السلام ، ثم إن ذلك الشخص يريد رؤية الله تعالى فوجب أن يحصل له ذلك لقوله تعالى : * ( لهم ما يشاءون عند ربهم ) * فإن قالوا لا نسلم أن أهل الجنة يشاءون ذلك ، قلنا هذا باطل لأن الرؤية أعظم وجوه التجلي وزوال الحجاب ، ولا شك أنها حالة مطلوبة لكل أحد نظراً إلى هذا الاعتبار ، بل لو ثبت بالدليل كون هذا المطلوب ممتنع الوجود لعينه فإنه يترك طلبه ، لا لأجل عدم المقتضى للطلب ، بل لقيام المانع وهو كونه ممتنعاً في نفسه ، فثبت أن هذه الشبهة قائمة والنص يقتضي حصول كل ما أرادوه وشاءوه فوجب حصولها . واعلم أن قوله : * ( عند ربهم ) * لا يفيد العندية بمعنى الجهة والمكان بل بمعنى الصمدية والإخلاص كما في قوله تعالى : * ( عند مليك مقتدر ) * ( القمر : 55 ) واعلم أن المعتزلة تمسكوا بقوله : * ( وذلك جزاء المحسنين ) * على أن هذا الأجر مستحق لهم على إحسانهم في العبادة . الحكم الثالث : قوله تعالى : * ( ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون ) * فقوله : * ( لهم ما يشاءون عند ربهم ) * يدل على حصول الثواب على أكمل الوجوه